أبي حيان التوحيدي
60
المقابسات
بعضي متكلمي زمانه قال أبو حيان - وقد ذكر طائفة من متكلمي زمانه - : وأما مسكويه ففقير بين أغنياء ، وغبي بين أبنياء ، لأنه شاذ ، وانما أعطيته في هذه الأيام صفو الشرح لايساغوجى وقاطيغورياس من تصنيف صديقنا بالرىّ . قال الوزير : ومن هو ؟ قلت : أبو القاسم الكاتب غلام أبى الحسن العامري ، وصححه معي وهو الآن لائذ بابن الخمار ، وربما شاهد أبا سليمان المنطقي ، وليس له فراغ ، لكنه مخبت في هذا الوقت للحسرة التي لحقته مما فاته من قبل . فقال : يا عجبا لرجل صحب ابن العميد أبا الفضل ورأى ما عنده وهذا حظه ؟ قلت : قد كان هذا ولكنه كان مشغولا بطلب الكيمياء مع أبي الطيب الكيميائى الرازي ، مملوك الهمة في طلبه والحرص على إصابته ، مفتونا بكتب أبى زكريا وجابر بن حيان ، ومع هذا كان إليه خدمة صاحبه في خزانة كتبه ، هذا مع تقطيع الوقت في الحاجات الضرورية والشهوية ، والعمر قصير ، والساعات طائرة ، والحركات دائمة ، والفرص بروق تأتلق ، والأوطار في عرضها تجتمع وتفترق ، والنفوس عن قرابتها تذوب وتحترق ، ولقد قطن العامرىّ الري خمس سنين ، ودرس وأملى ، وصنف وروى ، فما أخذ عنه مسكويه كلمة واحدة ولا وعى مسألة ، حتى كأنه كان بينه وبينه سد . ولقد تجرّع على هذا التوانى الصاب والعلقم ، ومضغ لقمة حنظل الندامة في نفسه ، وسمع بأذنه قوارع الملامة « 1 » من أصدقائه ، حين ما ينفع ذلك كله ، وبعد ذلك فهو ذكى حسن . . . نقى اللفظ ، وان بقي عساه يتوسط هذا الحديث ، وما أرى ذلك مع كلف بالكيمياء وانفاق زمانه ، وكد بدنه وقلبه في خدمة السلطان ، واحتراقه في البخل بالدانق والقيراط والكسرة والخرقة . نعوذ بالله من مدح الجود باللسان ، وإيثار الشح بالفعل ، وتمجيد الكرم بالقول ، ومفارقته بالعمل . . .
--> ( 1 ) في الأصل : الندامة . وليس هذا مكانها واللائق بالسياق ما أثبتناه